ذ عبد اللطيف شعباني بتصرف
أتت الأزمة العالمية عام ١٩٢٩ وبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وتسابق الدول التي خاضت الحروب إلى التسلح، وإنشاء المصانع العسكرية على حساب توفير الرفاهية لشعوبهم والإهتمام بالأمن الاجتماعي والإقتصادي والصحي.
ممّا أوجد حالات فقر وعوز ليس فقط في المدن، بل حتى بالارياف التي عجزت عن تصريف الانتاج، بسبب الانكماش الاقتصادي وقلّة المال، ممّا دفع بهجرات داخلية وخارجية.
بالمقابل ازداد الضغط السكّاني في المدن نتج عنه فوضى إجتماعية ، أنعشت المافيات التي فرضت إرهاباً اقتصادياً على الشركات والبنوك وأصحاب الأعمال الحرّة.
إمتدت هذه الحالة الفوضوية إلى ما قبل بداية الحرب العالمية الثانية التي أتت بتحصيل حاصل نتيجة هذه الفوضى، من خلال هبوط الاسهم والانكماش الاقتصادي، وسعي الدول العسكرية للسيطرة على الدول الأضعف، بهدف إيجاد أسواق تصريف لمنتجاتها ، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية التي تكلفها المصانع الحربية .
وتكاد تكون الصورة قاتمة وضبابية عن الآثار التي سنتتج عن أزمة العالم الحالية بوباء كورونا المستجد ، والذي ضرب بعض مفاصل الدول، والتي تعّد متطورة على الصعيد الصحي والاقتصادي والاجتماعي .
ولكن دون شك فإن مرحلة الوضع ما بعد هذا الوباء ليس كما قبله ، وهذا ما صرّح به عدّة قادة دول ومسؤولين في منظمات الصحة العالمية والمنظمات الاقتصادية العالمية .
فوحدة الإستخبارات الإقتصادية في مجموعة الإيكونومست يتوقعون أن ينكمش الإقتصاد الايطالي ليبلغ 7% وهو معدل خطير لبلد مثل ايطاليا ، يعتبر الثالث اقتصاديا في الاتحاد الاوروبي ، وبالتالي فإن المبالغ التي تُصرف وستُصرف على الميزانيات الصحية في دول العالم، والتخفيف من وطأة الأعباء للمواطنين، بهدف إبعاد شبح الجوع عن الطبقات المتوسطة والفقيرة ، إن هذه الأموال ستستنزف إحتياطات الاموال المركزية.
وبالتالي فإن إعادة الجدولة الاقتصادية لكل دولة ستقوم بالدرجة الاولى على زيادة الضرائب على الشركات الكبرى والمصانع، ممّا سيؤثر سلباً على الإقبال الشرائي، وهذا سيؤدي إلى كساد وإنكماش في الأسواق العالمية ، ستحاول هذه الشركات إقتحام الأسواق التي خسرت مواطنين وأيدي عاملة وشهدت خسائر في الإنتاج المحلي .
لكن دعنا نتوقف هنا عند التداعيات السياسية التي خلّفتها هذه الأزمة العالمية ، هل ستقبل الدول التي أقفلت بوجهها حدود المساعدات الطبية والغذائية بدخول هذه الشركات العالمية المملوكة من الدول والافراد الذين نأوا عن مساعدتهم؟
قيام أحلاف جديدة في المناطق الدولية يذكرنا إلى حدّ ما بنشوء سياسة الأحلاف التي سبقت الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المرة تحالفات اقتصادية لا نعلم كيف ستكون هيكلتها .
هل هي رأسمالية وهي التي أثبتت فشلها في إدارة الأزمات أم ستكون إشتراكية وشيوعية ، وهي التي أوجدت حاضنة لنشوء الرأسمالية في أكثر الدول بسبب السياسات الاقتصادية التي اتبعتها ، أم ستكون عبارة عن نظام مزيج يجمع بين الشيوعية والاقتصاد الحر ( الصين مثالاً ) ، أم سيكون نظاماً يؤمن توزيع الدخل العادل للمواطن مع تكنولوجيا رأسمالية مترافقة مع زيادة في الضرائب، وهو كما هو متعارف عليه نموذج الشمال ( السويد مثالاً ) .
الكلام في هذا المضمار سابق لأوانه أقلّه في أجواء غبار المعارك ضد هذا الوباء القاتل ، ولكن على ما يبدو سيشهد العالم حروباً من نوع آخر قد يكون المدفع إحدى الخيارات، وهذا طبعاً مرهون بالتحالفات المتوقعة على صعيد العالم .
واخيرا قد يكون النظام العالمي تعلّم درساً قاسياً من هذه الازمة التي كشفت زيفه في السعي لحماية البشرية .
فهل سيقتنع النظام العالمي والناهب الدولي أنّ الاولوية هي للبشر ولخدمة البشرية وليس لتكديس الاسلحة ونهب الاموال وإثارة القلاقل والحروب بهدف بيع الاسلحة؟

